2007/12/4قبسات الحكمة والتنوير في الجزء الثالث من تفسير الدكتور عبد الهادي بوطالب
كلما صدر جزءٌ جديد من التّفسير القيم للدكتور عبد الهادي بوطالب "قبسات من نور الذكر الحكيم" كلما ازدادت خصائص منهجه رسُوخاً، وسماتُ أسلوبه في الشّرح والإيضاح تجلّياً وشُفوفاً. وقد وفّقني الله لتقديم الجزءين الأوّلين من هذا التفسير، وبين يدي الآن الجزء الثالث وهو يتضمن مجمل خواطر الدكتور عبد الهادي بوطالب حول سورة النساء. قلتٌ "خواطر" لأنّ المؤلف يسميها كذلك، يقول: "والآيات التي شرحتُها وعلقت عليها في هذا الكتاب هي التي استوقفتني عندها لاستْخلاص ما عنّ لي بشأنها من خواطر.أما ما لم أتوقّف عنده من الآيات فهو ما لا يوجد لي عنه إضافات".

بقدر ما يتقدم قارىء هذا التفسير في استجلاءِ معانيه وحكَمه وطريقته الفريدة في البيان والتبيين والتنوير، بقدر ما تزداد رؤيته لمنهج المؤلف وضوحاً ووثوقاً. وغرضنا من تقديم الجزء الثالث (الذي صدر عن مطبعة دار النشر المغربية في الدار البيضاء) تأكيد ما استخلصناه خلال تقديم الجزءين السابقين، ونفضل أن نصوغ الملاحظات الجديدة في نقطتين مترابطتين:
1) منهج التفسير:
إنّ وضوح التفسير دالٌّ على استقامة الفهم وتمثّل معاني الآيات الكريمة، إذ بقدر ما تتضح المعاني في الذهن، بقدر ما تبين العبارات عن المراد أفصح بيان. ولما كانت سورة النّساء مشتملة على عدد كبير من الأحكام الشّرعية الهامة، خاصة ما يتصل بالحياة الأسرية والاجتماعية في الإسلام، فإنّ المؤلف بذل جهداً محموداً لإيضاحها، فدقّق بيانها، وحرّر صياغة تفسيرها ، متوخّيا مقارنة التشريعات الإسلامية في ميدان الزواج والطلاق ووضع الأسرة والعلاقات الأسرية وحقوق المرأة بما كان سائداً من أوضاع مختلة متردّية في المجتمع الجاهلي. ولهذه المقارنة دور مهمّ في بيان مدى قيمة التشريع الإسلامي أخلاقياً وإنسانيا واجتماعياً وحضارياً، ومدى الرّحمة والإنصاف والعدل والإحسان الذي أسبغه الله سبحانه على النّساء مع ظهور الإسلام، وخاصّة ما اشتملت عليه هذه السورة الكريمة. قدّم المؤلف قراءاته التفسيرية لآيات عديدة كُتبت عنها تفاسير كثيرة لم يتقيّد بها، وإنّما شقّ طريقه الخاص في فهم النّصوص القرآنية فهماً معاصراً، يأخذ بعين الاعتبار التّطور الاجتماعي والحضاري، ومثال ذلك تفسيره لآيتي النّشوز والقوامة (ص 59 - 64). وشرح العديد من الحقائق العقائدية، والتشريعية، والعلمية بأسلوب سلس واضح، وبتركيز مفيد، ومن ذلك تحليله لحقائق "طاعة الله والرسول" "والإسلام والتوحيد وآثارهما الاجتماعية" و"التحاكم" و"أحكام الأسرة" و"الجهاد" و"الدين والعقيدة" و"علاقة الإسلام بغيره"، وفي هذا الموضوع يقول المؤلف: "والأحكام المنظمة للعلاقات الخارجية سبق بها الإسلام القانون الدولي الذي لم يبدأ في أوروبا إلا في القرن السابع عشر الميلادي، أي بعد نزول القرآن بعشرة قرون" (ص 122 ). ومن ملامح منهجه التوسّع والشّمول في فهم المعاني وتحليل الدلالات، وربطها بأحوال الأفراد والمجتمعات في عصرنا، إبرازاً للمنهج القرآني المتكامل في علاج مشكلات الإنسان اليوم، سواء أكانَت سياسية أم اجتماعية أم غير ذلك. وإذا كان المؤلف يستعرض بين الفينة والأخرى بعض التفاسير فإنه يفعل ذلك ـ غالباً ـ لترجيح أحدها، أو اختيار ما يرتاح إليه منها. أو من أجل التعبير عن رأيه في الموضوع. ومثال ذلك قوله (ص 210): "ذكر المفسرون أنّ المراد بالبرهان المعجزات الدالة على صدق رسولنا الكريم، وأنّ المراد بالنّور المبين القرآن الكريم. وأرى أنّها تحتمل ـ بالإضافة إلى ما ذكروه ـ معاني أوسع: الإعلان عن الإسلام بوصفه دين العقلانية والأنوار. وكل ما جاء به الإسلام يتفق مع منطق العقل، ويخرجُ البشرية من عهد الظلمات إلى عهد الأنوار".

والمؤلف يعتمد في تفسيره على الإفادة من ترتيب نزول القرآن كذلك كما في قوله: "آية (للرجال نصيب.. وللنساء نصيب) نزلت قبل آية (يوصيكم الله في أولادكم) إلى آخر الايات. ففي البداية انصبّ الاهتمام على إعلان مبدأ المساواة وإبطال حرمان المرأة من الميراث. ثم جاءت التفاصيل في آيات (يوصيكم الله في أولادكم). وأكد الله على أنه لافرق بين الرجال والنساء في أخذ كلّ نصيبَه سواء كانت التركة قليلة أو كثيرة (مما قل منه أو كثر) فالقضية ليست قضية الحجم المادي للتركات، بل قضية مساواة في قَسْم التركات. والله سبحانه حريصٌ على رفع كل التباس، وعلى أن تكون آيات التشريع واضحة الدلالة. فهو في آية (للنساء تصيب.. وللرجال نصيب) يُطنب في التوضيح ويعيد نفس العبارات حتى لاتؤوّل على غير محمل الآيات: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون) ولم يقل سبحانه: للرجال والنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون. فالنساء لايرثن بالعطف على الرجال والتبعية لهم، بل النّساء يرثن بالاستقلال والأصالة. المرأة والرجل متساويان" (ص 18 ـ 19).

وقد ضمّن المؤلف تفسيره آراء بعض المجتهدين المعاصرين في مسائل فقهية تقتضيها الآيات المبيّنة، مثل رأي بعضهم في تعدد الزوجات ومثل ذكره رأي بعض الفقهاء المجتهدين الذين اعتبروا زواج ملك اليمين لم يبق مشرّعاً بعدما توقّفت حروب الجهاد التي كانت تُسْبى فيها المرأة.
2) ـ اللــغـة:
إنّ علم ذ. عبد الهادي بوطالب الغزير باللغة العربية، وفهمه العميق لأسرارها، جعل الفقرات النّفيسة التي خصّصها لشرح مفردات الآيات، دروساً لغوية نافعة، تبصّر القارىء بمعاني النظم القرآني، ودلالات الكلمات وبلاغة استعمالها، بقدر ما تزوّده بزادٍ علمي نحوي وصرفي ومعجمي ودلالي يكشف له عن جواهر جمال وعمق ودقة اللغة العربية كما يجلّيها لنا القرآن العظيم.

ومن الملاحظات اللغوية النبيهة التي يزخر بها هذا التفسير قول المؤلف في بيان قول الله تعالى: (للذكر مثل حظ الأنثيين) : "المراد من هذا التعبير إبراز أنّ الذكر يأخذ قسمتين ـ كما أسلفنا القول في ذلك ـ والأنثى قسمة واحدة. لكن الله لم يقل للأنثى نصف حظ الذكر اهتماماً بشأن المرأة التي لم تكن ترث بل كانت تُورَثُ هي نفسُها أحيانا. فالله يقول: إن للذكر مثل حظ الأنثيين، أي أنه متساوِ معها في مبدأ الميراث" (ص 27).

وقوله: (وحلائل أبنآئكم الذين من أصلا بكم) حلائل جمع حليلة، وهي الزوجة وأرى أنها الزوجة التي حلت ببيت الزوجية، أي التي تم الدخول بها. وهذه دقيقة من دقائق اللغة يجب الاهتمام بها في تفسير القرآن الذي جاء باللسان العربي" وأضاف الله إليه نعتا آخر هو "مبين" فالمفروض أنّ تعابير القرآن تتميز بالوضوح. ومفسر الذكر الحكيم عليه أن يتعمق معاني الكلمات والألفاظ" (ص 39 ـ 40).

ومن الإيضاح اللغوي الحكيم قوله عن معنى مفردتي "المعروف" و"المنكر" : "معروفاً" مقبولاً في الدين ومتعارفا عليه من لدن المجتمع الملتزم بدين الله، وعكسُه المنكر أي ما أنكره الدين ولم يرض عنه المجتمع الملتزم بهدي الله".

فالمؤلف يشترط لصحة رضا المجتمع بأمر ما أو عدم رضاه به شرط الالتزام بهدي الله، وإلا فلا اعتبار لموقفه مما يحسبه "معروفا" أو "منكرا" وهو ليس كذلك، إذ أن حكم المجتمع ينبغي أن يكون تابعاً لشرع الله، لا للأهواء. ومن الأدوات اللغوية التي اعتنى المؤلف بدراسة دلالاتها أداة الخطاب، يقول: "ويخص الله رسوله بالخطاب عندما يريد إطلاعه على ما لايعلمه عن محيطه وساكنيه، عن المؤمنين والكافرين والمنافقين والمشركين، ويلقّنه بذلك استراتيجيات التعامل مع محيطه المتنوّع حتى يتعامل الرسول مع الجميع وهو عارف أحوالهم،، ما ظهر منها وما بطن... وبذلك يساعد رسوله على أداءِ مهمة الرسالة بصدق وأمانة وحسن تدبير. فالله يبعث رسُله بالرسالة (وأداؤها غير يسير) ولا يكلهم إلى أنفسهم، بل يتعهد برعايتهم وإرشادهم" (93 ـ 94). ويدخل في إطار الغنى المعرفي اللغوي لهذا التفسير اهتمام المؤلف ببيان الأصول الاشتقاقية للكلمات، ما يساعد على تبيّن مدلولاتها القرآنية، وفهم السياق فهماً سليماً.
* * *
هذا ولم نستوعب في هذا التقديم المختصر كافة وجوه اجتهاد د. عبد الهادي بوطالب في كتابة هذا الجزء الجديد من تفسيره. وإنما ألمحنا إلى بعضها. ونرجو الله دائما أن ييسر اكتمال هذا المشروع التفسيري، حتى يزداد ثراءً منهجيا ولغويا وعلمياً إلى ثرائِه.


الصديق بوعلام

 
2007/9/3استجواب صحفي
استجواب صحفي أجرته جريدة "الصباحية" اليومية مع الدكتور عبد الهادي بوطالب في أول عدد منها وهذا نصه:

س: يعيش المغرب على إيقاع حملة الانتخابات التشريعية، وهي ثاني انتخابات في عهد جلالة الملك محمد السادس. فهل ترون أن الأجواء توحي بتوجه نحو التغيير في المغرب بعد المراهنة على تغيير نظرة المواطنين للانتخابات وحثهم منذ مدة طويلة على المشاركة فيها؟

ج: أعتقد أن المغرب تجاوز فترة الإيحاء بالتوجه نحو التغيير إلى مرحلة الدخول الفعلي في مسلسل التغيير الشامل. ومنذ أن جلس جلالة الملك محمد السادس على العرش ابتدأ مسلسل التغيير وتسارعت خطواتـُه في جميع المجالات.

وكانت البداية التغيير الذي أدخله الملك الجديد على نظام البيعة بما جعله نظاما عصريا حيث شاركت الأحزاب السياسية وفعاليات المجتمع المدني في عقد البيعة الشرعية، بينما كانت تؤخذ عبر التاريخ من العلماء والشرفاء ورجال المخزن. وبمشاركة الهيآت السياسية أضافت الملكية إلى أوصافها وصف "الشعبية". وهذا تغيير جذري له دلالته ومغزاه.

ومن التغييرات التي دخلت في العهد الجديد مراجعة القوانين بما يجعلها أكثر عدلا، وإعطاء القضاء استقلاله، ومراجعة قانون الأحزاب ومراجعة نمط الاقتراع. والتغيير الأكبر هو أن الملك في العهد الجديد لم يعد وحده الحكومة، بل اكتفى بممارسة صلاحياته الدستورية ورئاسة المجلس الوزاري. وحسب علمي فإن الملك محمدا السادس المواطن -كما قال عن نفسه- لم يصدر منه أي اعتراض على ما تقدمه الحكومة من مشاريع القوانين لعرضها على البرلمان. كما يدخل في التغييرات إشراف الملك المباشر في عين المكان على متابعة إقامة المشاريع التي تعمدها الحكومة، وينتقل جلالة الملك عبر المغرب من أدناه إلى أقصاه إما لتدشينها وإما للاطلاع على ما أنجـِـز منها.

وما قام به الملك من تغييرات يضيق عن العدّ والإحصاء، فالحصيلة الملكية إيجابية وواسعة المدى. وهي معروفة ولا أطيل في الحديث عنها، لكن ينبغي أن لا أغفل الحديث عن توجهاته التي لا أخشى من نعتها بالثورية والتي طفحت بها خطبه طيلة السنوات الثمان من تربعه على العرش.

س: كيف ترون ابتعاد فؤاد عالي الهمة من مهامه الوزارية للمشاركة في الانتخابات؟ هل من المفروض أن ينسحب كل وزير مرشح؟

ج: ليست لي فكرة واضحة عما سميتموه ابتعاد فؤاد عالي الهمة من مهامه الوزارية بعد أن قرأت الكثير من تعاليق الإعلام على هذا الحدث، وهي تعاليق تتناقض فيما بينها. وكيفما كان فجوابا على الشق الثاني من هذا السؤال: هل كان من المفروض أن ينسحب من الحكومة كل وزيرمرشح أقول لا، إذ لا تنافي بين الترشيح وممارسة صلاحيات الوزير. وفعلا فإن الوزراء الذين ترشحوا للانتخابات بلغوا 13 وزيرا ولم ينسحب منهم أي وزير لأن هذا الانسحاب لا يشكل شرطا قانونيا في الترشيح. أما ما فعله الوزير السابق فيما يخصه فهو ممارسة شخصية تدخل في نطاق الحرية الشخصية. كما أن قبول جلالة الملك استقالة الوزير يدخل في صلاحيات الملك الدستورية. فالملك يعين الوزراء ويقيلهم ويقبل استقالتهم إذا استقالوا.
س: هل تعتقدون أن المشهد السياسي المغربي مرشح للتغيير بعد الانتخابات؟

ج: نعيش اليوم عهد التغيير الشامل الذي سيستمر على نفس الوتيرة بل أكثر فيما بعد الانتخابات. ولا تملك أية قوة إيقاف مسيرة هذا التغيير. وأنتم تلاحظون أن جميع الأحزاب ترفع راية التغيير، ويتصدر التغيير جميع برامجها. وفي القمة يتقدم جلالة الملك قافلة التغيير ويقودها نحو غد واعد بالتغيير. ولم يسبق في تاريخ المغرب أن اتحدت الأمة والملك على مطلب واحد مثلما نعيشه اليوم على مطلب جعل التغيير البداية والنهاية.

بقي فقط أن تـُرتـَّب الأولويات في انتقاء المتغيرات. وهذا أمر ليس صعبا ولا مستحيلا مادام المغرب ملكا وشعبا يُجمِع على أن لا تغيير في الثوابت التي دَسْترَها الدستور ونص عليها وحدد للمؤسسات الدستورية مجال عملها بما يجعلها تعمل في انسجام وتناغم.

س: ماهو رأيكم في ما يقال عن نمط الاقتراع ووصفه بأنه وُضِـع بطريقة لا تضمن الأغلبية لأي حزب؟

ج: ستجري الانتخابات على آلية الاقتراع النسبي. والقانون الدستوري الذي درَّستـُه في الجامعة المغربية بالدار البيضاء والرباط طيلة عشرين سنة لا يقول عن هذا الاقتراع إنه غير ديمقراطي، بل هو ضروري عند تعدد الأحزاب بين أحزاب قوية وأخرى ضعيفة أو محدودة العدد والاقتراع النسبي هو الذي يضمن للأحزاب الضعيفة تمثيلها بالبرلمان وهذه ديمقراطية عالية بكل تأكيد.
س: هل تعتقدون أن المغرب في حاجة إلى تعديل دستوري؟

ج: الدستور المغربي جرى تعديله مرات منذ التصويت عليه بالأغلبية سنة 1962. والتجارب الدستورية يجري عليها ما يجري على الكائنات. وعندما تمتد تجربة دستورية لمدة سنوات تبْلـَـى بعض بنودها وتصبح غير مجارية لعصرها ولابد من عملية تشبيب وتجديد. وفرنسا اليوم في عهد الجمهورية الخامسة أو الدستور الخامس. والمغرب بذلك في حاجة إلى مراجعة بعض مواد الدستور.

لكن يبقى أن يكون التغيير الدستوري موضوع حوار بين الملك والقاعدة للاتفاق على ما يجب أو يحْسُـن تغييره، والتوصل إلى أرضية وفاق للتغيير ينأى بالدستور عن أن يُجْهَض أو أن يولد ميتا.

س: كيف ترون كثرة الأحزاب وتوالـُدَها في المغرب؟

ج: التعددية الحزبية خيار ديمقراطي حضاري، لكن تكاثر الأحزاب يساعد على تمييع المناخ الديمقراطي. وعدد الأحزاب المشاركة في الانتخابات بلغ 33 حزبا. وأعلم أن أحزابا أخرى طلبت من السلطة المختصة السماح لها بالوجود وهي تنتظر الإذن. وبالنسبة لعدد سكان المغرب فإن تكاثر الأحزاب إلى هذا الحد ترف زائد لا ضرورة له، ويمكن الاستغناء عنه.
وينبغي الإشادة بتكتل عدد من الأحزاب لخوض معركة الانتخابات في كتلة أو فريق واحد. لكن ذلك لا يكفي بل يحسن أن تندمج الأحزاب التي تنتمي إلى تيار واحد بعضها مع بعض.

وفي تصريح سابق لي قلت على سبيل الفـُكاهة إن على الأحزاب أن لا تصبح القرآن الكريم الذي يتألف من ستين حزبا، ونصحت باندماج القوى السياسية ذات البرامج الواحدة في تجمع كبير. لكن يظهر أن فـُكاهتي قد تصبح حقيقة في المشهد السياسي للأسف الشديد.

س: من مقولاتكم الشهيرة التي تحتفظ بها الذاكرة "قل كلمتك وامش". فهل تعتقدون أن السياسيين المغاربة يمشون بعد قول كلمتهم إن كانوا يقولونها فعلا؟

ج: لا يقدر جميع السياسيين على أن يطبقوا على أنفسهم هذه المقولة الصعبة لأن بعضهم يدخل الوظيفة ويصبح أسيرا لامتيازاتها وفوائدها المباحة والمحرمة، وإذا خرج من الوظيفة يتخطفه الموت قبل الأوان، ويصبح جثة هامدة وهو حي. وهذا النوع من السياسيين لا يتوقف عن عمل كل ما يخلـّـده في السياسة والحكم ولو على حساب الشرف والكرامة، أما الوظيفة عندهم فهي حياتهم، وترْكـُـها قتل للنفس، والذين يقولون كلمتهم ويمشون قليلون.

س: ألا ترون أن الاستيقاظ الموسمي للأحزاب وظهورها المكثف في الانتخابات كما يظهر السنونو في الربيع يسيء إلى العملية السياسية برمتها؟

ج: ما تسمونه الاستيقاظ الموسمي ظاهرة صحة وعافية نتفاءل به ولو كان موقوتا بحلول الموسم الانتخابي العابر، وقد يكون هذا الاستيقاظ بداية على طريق الوعي واليقظة لتطبيق البرامج السياسية فيما بعد الانتخابات. وأنا متفائل بأن هذا هو ما يحصل في المغرب.

س: نحاوركم غداة رحيل إدريس البصري الذي كانت لكم معه خلافات في عهد الملك الراحل الحسن الثاني الذي كنتم أحد مستشاريه، فماذا يعني لكم رحيل البصري؟

ج: لا أريد أن أنبش جثة ميت أفضى إلى ما قدم. والإسلام علـّـمنا أن نذكر الموتى بخير. وهو في دار البقاء ونحن به لاحقون. وسيعرض على الله يوم الحساب ليجزيه جزاءه العادل. وقد يغفر الله ما أخطأ فيه، فالأمر أمره وليس أمر عباده في هذه الدنيا الفانية.

س: ماهو سر الخلافات التي تحدثتم عنها في عدة مناسبات أو على الأصح لا يمكن أن يحاوركم صحفي دون إثارتها؟

ج: ما قلتـُه عنه قلتـُه في حياته وعلِمَه هو ولم يعلق عليه. ولا أريد العودة إلى ذلك. لكن إذا كان لي أن أجيب على سؤالك عن سبب هذه الخلافات (أو سرها) فهي أنه كان يعاديني مثلما كان يعادي غيري ممن كان يتزامل معهم في الحكومة ولا يتملقون له ولا يحضرون مجالسه الخاصة ولا يزورونه في بيته ويتحالفون معه. وفي تصريح له أفضى به قبل مماته قال إنه كان واحدا من أربعة وزراء سماهم "خُدّام المخزن الأوفياء" (ربما لشخصه) هم كما قال: "أوفقير والدليمي ورضا كديرة وهو". وزاد يقول: "ولا خامس لنا".
س: ماهي في نظركم مفاتيح حل مشكلة الصحراء؟

ج: مفاتيح حل مشكلة الصحراء توجد بين أيدي أطراف ثلاثة. المغرب بوصفه مالك الصحراء التاريخي عبر القرون، والجزائر التي تريد أن تقود دول المغرب العربي بدون منافس، وجبهة البوليساريو الملعوب بها في معركة تنافس الجزائر مع المغرب.
وقد أظهر المغرب المفاتيح التي بيده لحل مشكلة الصحراء بالحسنى والتفاهم بتقديمه للمجتمع الدولي مشكلة الصحراء في شكل مبادرة لا غالب فيها ولا مغلوب. وزكى المجتمع الدولي المبادرة المغربية وأشاد بتوازنها. لكن يظهر أن الطرفين الآخرين مازالا جامدين في موقفهما السياسي على حساب مشروع المغرب العربي الكبير الراقد على سرير الموت.

س: ماهو تعليقكم على الوضع الحالي في العراق. وهل تتوقعون استبعاد عامل الربح والخسارة في معادلة انسحاب المحتل أو إبقائه؟

ج: لا أجد تعبيرا أفيد وأفصح عن الوضع الحالي في العراق إلا أن أقول عنه إنه المأزق الذي لا يبدو منه مخرج: الولايات المتحدة ودول التحالف الموالية لها في مأزق، أتـَسْحَب جيوشها من العراق أم تبقى؟ الكونغريس الأمريكي بمجلسيه في مأزق أيظل يعارض سياسة الرئيس في العراق، أم يرضخ لإصراره على البقاء في العراق ومطالبة الكونغريس بدفع الفواتير المتصاعدة؟. بريطانيا العظمى في مأزق، فقد انسحب وزيرها الأول طوني بلير من الحكومة بعد أن فشل في حرب العراق، والوزير الأول الجديد يتقدم خطوة إلى الأمام في التراجع عن البقاء في العراق، ثم بتقدم خطوة أخرى إلى الخلف. والمجتمع الدولي حائر في أمر العراق، والكل في موضوع العراق حائر في أمره بما في ذلك طهران ودمشق والجامعة العربية.

وأتوقع من الرئيس بوش أن يستبعد من حساباته لحل معضلة العراق حساب الربح والخسارة فهو في مرحلة الوداع، وسيبقى يعاند ويغالب نفسه ويطلب من الشعب الأمريكي الصبر والمصابرة إلى أن يرحل هو عن البيت الأبيض.

س: بالنسبة إليكم ماهو المخرج من المشكلة اللبنانية إن لم نقل الإشكالية؟

ج: لا فرق عندي أن تسموها المشكلة أو الإشكالية اللبنانية لأن ما يقع في لبنان أكبر حجما مما تحمله كلمتا المشكلة أو الإشكالية: إنه تمزق لنسيج لبنان الذي ظل سنوات في اللهب ولم يحترق. وهاهو يحترق على نار هادئة ولا يدري أحد كيف سيتم المخاض اللبناني

وأرى أن المشكل لا حل له إلا بالعودة إلى تطبيق الدستور اللبناني الذي قام على التوفيق بين طموحات الطوائف، والعودة إلى دستور الوحدة الوطنية التي تقوم فيها السلط الثلاث على ثلاث قواعد: رئاسة الدولة من نصيب المسيحيين، ورئاسة الحكومة من نصيب السنة، والسلطة البرلمانية من نصيب الشيعة ورجوع قادة الموالاة والمعارضة إلى الرشد السياسي الذي كان وراء إقامة الصرح اللبناني الواحد.

س: أين يكمن الدور السوري على الواجهتين اللبنانية والعراقية؟

ج: سوريا لاعب أصيل فيما يجري في لبنان سواء مباشرة أو بالوكالة والتفويض. لكن آمل أن تكشف أوراقها في اللعبة الجارية، وأن تلعب ورقة التوفيق والمصالحة بين الأطراف اللبنانية. أما حسابات الانفراد بلبنان فقد تجاوزها الحاضر ودخلت في خبر كان.

س: ماهو توقعكم بالنسبة إلى الحرب على إيران؟

ج: قبل إعلان الرئيس بوش الحرب على عراق صدام حسين، وُضِـع عليَّ نفس السؤال فيما يخص هذه الحرب. وفي تصريحات صحفية أصدرتها آنذاك ونقلها الإعلام العربي قلت إن الحرب على العراق قادمة ووشيكة الوقوع، بل ذهبت بعيدا في توقعي هذا في حوار أجراه معي الصحفي الذي استضافني في ابهاء القناة الثانية وسألني متى تتوقعون اندلاع الحرب على العراق. وكان جوابي: "أتوقعه أن يتم في لحظات آتية ربما في هذا المساء". وإثر خروجي من مركز القناة أعلن عن هجوم القوات الأمريكية للعراق.

بنفس هذا الاقتناع أقول لكم: لن تقع حرب في عهد الرئيس بوش بين الولايات المتحدة وإيران، لأن الولايات المتحدة اخذت درسا من تسرعها في حرب العراق، ولن تعود مع إيران إلى سيرتها الأولى. ولن يُلقي الرئيس الأمريكي ببلاده في مأزق آخر ربما قد يكون أعمق وأخطر، اللهم إلا إذا أقدم الرئيس على هذه الحماقة وما أظنه قادرا على ذلك.

س: بصفتكم رجلا له تجربة ومهتما كثيرا بالقضايا العربية بماذا تنصحون الفلسطينيين في الفترة الحالية؟

ج: أنصح الطرفين المتشابكين في خلافهما الذي لا ينتج إلا تدمير القضية الفلسطينية أن تعود حماس وفتح إلى الرشد السياسي، ويعملا لتحقيق الوحدة الوطنية المغتالة ويعيد إليها حياتها. والبداية تأتي من جانب حماس التي لم تحسن تدبير الخلاف وتسارعت إلى اتخاذ تدابير عزل غزة وفصلها عن سلطة منظمة التحرير الفلسطينية والمطلوب منها اليوم السير وراء أبو مازن ودعم خطواته في سبيل التوصل مع إسرائيل إلى الحل المنصف للقضية الفلسطينية. وأنصح أبو مازن بنسيان الماضي إذا قامت حماس بدفع ثمن ما أتلفته و"مُتـْلِف الشيء غارمه" كما تقول الحكمة، وكما يقضي بذلك القانون.

س: سيطر هاجس الإرهاب على العالم وهو ظاهرة قديمة لكن اللافت فيها إلصاقها بالإسلام والاشتباه في كل عربي مسلم. فما سر ذلك في نظركم؟

ج: نسبة الإرهاب ككل إلى الإسلام ككل وبدون تنسيب ولا تطرف غلطة يتحمل مسؤوليتها كل من بوش وأسامة بن لادن. فالأول في نظرته الساذجة إلى الأشياء والمفاهيم اعتبر الإسلام كله مسؤولا عن مهاجمة البرجين الأمريكيين مادام الذي تولى ذلك أفراد يقولون عن أنفسهم إنهم مسلمون، والثاني أدخل الإسلام كدين في الورطة عندما قسم العالم إلى فريقين: مجتمع الإيمان ومجتمع الكفر. ودعا إلى خوض مجتمع الإيمان ضد مجتمع الكفر. وكلاهما أساء إلى علاقة الإسلام بالآخر في حين أن الإسلام بريء مما نسب إليه.

س: تعرقل مشكلة الصحراء مسار الاتحاد المغاربي: ألا تعتقدون ان باقي الدول المغاربية تساهم في تكريس اتحاد مع وقف التنفيذ من خلال حيادها الذي يمكن وصفه بالسلبي؟

ج: باقي الدول المغاربية ينبغي أن تؤدي دور التقريب بين موقف المغرب وموقف الجزائر وأن تقوم بواجبها في لحم الشرخ الذي يفرق بين الدولتين، وان تضغط على الطرف الجزائري الجامد في موقفه لإنقاذ المغرب العربي من المصير الذي يتهدده. وهو أن لا يكون المغرب العربي الذي حلمت به أجيال النضال الوطني للتحرير في أطراف المغرب العربي الأربعة.

س: أين تتجه في نظركم العلاقات المغربية الفرنسية بعد انتخاب نيكولا ساركوزي رئيسا لفرنسا؟ وماهو تعليقكم على تأجيل استقبال الرئيس الفرنسي الذي كان يرغب في زيارة المغرب خلال جولته المغاربية؟

ج: الرئيس الفرنسي ساركوزي يحمد له مبادرته الرامية إلى التغيير الشامل في فرنسا وفي علاقاتها الخارجية. وكانت انطلاقته في الأسابيع الأولى من عهده أن يغير كل شيء. ومن ذلك ان يضع زيارة المغرب في آخر رحلته إلى المشرق العربي، لأن الرؤساء الفرنسيين السابقين كانوا يقدمون زيارة المغرب على زيارة الجزائر وتونس. وقد صحح المغرب هذا الخطأ بلباقة فطلب منه تأخير المغرب إلى حين قيامه بزيارة رسمية (زيارة دولة) يقيم فيها بالمغرب أكثر من بضع ساعات ويستقبله المغرب الاستقبال اللائق به. وأظن أن هذا لم يؤثر على طبيعة العلاقات بين البلدين فهي ماتزال علاقة حميمية بين الطرفين ويعملان لتوطيدها.
س: نقترب من ذكرى تفجيرات 11 شتنبر التي ترسم حولها علامات استفهام كثيرة فكيف تفسرون ما حدث ويحدث بعدها ورهن العالم بين يدي أمريكا؟

ج: لا أتفق مع من قالوا إن نزعة تفجيرات 11 سبتمبر كان يدفعها إلى ارتكاب ما ارتكب فقرها وبؤسها وتهميشها. بل أجزم أن خطاب التطرف الديني التكفيري هو الذي صنع هذه الفئة التي ضلت سواء السبيل. وهذا يدعونا إلى إعادة النظر في محتوى هذا الخطاب وإصلاحه بما يعود به إلى الخطاب الديني الصحيح. والمغرب قد اتخذ في هذا الصدد تدابير التصحيح اللازمة التي أشيد بها وأنصح بمواصلتها.



 
2007/5/16استجواب
استجواب
 
2007/4/3انعقاد أول مؤتمر للجمعية العالمية لإريك فروم خارج الحدود الأوروبية
بمناسة انعقاد أول مؤتمر للجمعية العالمية لإريك فروم خارج الحدود الأوروبية وذلك يومي 2 و3 أبريل 2007، ألقى الدكتور عبد الهادي بوطالب عرض افتتاح هذا المؤتمر وذلك تحت عنوان: "مساهمة النزعات الإنسانية في حوار الثقافات"
 
2006/11/23محاضرة
بدعوة من عميدة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدة، الأستاذة فاطمة الزهراء الزريول، قام الدكتور عبد الهادي بوطالب بإلقاء الدرس الافتتاحي للكلية، في موضوع: "الجامعة في عهد العولمة بين التكوين والتنوير".وذلك يوم 23 نونبر 2006
 
2006/11/21ندوة علمية
بدعوة من رئيس المجلس العلمي المحلي بالدار البيضاء، ورئيس جامعة الحسن الثاني -عين الشق-،شارك الأستاذ الدكتور عبد الهادي بوطالب في مناقشات الندوة العلمية التي نظمت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية عين الشق -الدار البيضاء. وذلك بإلقاء مداخلته التي تحمل عنوان:" الثقافة الإسلامية وتحديات العصرالتحدي الأكبر: توقف تطور الثقافة الإسلامية أمام تسارع تطور الثقافات العالمية"
 
 Suivant »